أركان الصوم
|
للصوم ركنان هما: النية، والإمساك عن المفطرات يومًا كاملاً من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل". 1- أما النية، فقد عرفت أنها فرض في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وفي كل عبادة يتقرب بها العبد إلى خالقه (عز وجل)، إلا أن الصوم لم يشترط فيه أن تكون النية مباشرة للصوم، بل يجوز أن تتقدم عليه، فوَقْتُها هو الليل كله، فمن نوى بعد غروب شمس آخر يوم من شعبان صيام رمضان صحَّت نيته، ومن تسحَّر كفاه السحور عن النية، فهو يقوم مقامها؛ لأن النية عمل من أعمال القلوب، والسحور يدل على أن المتسحر عازم على الصوم، وهذا موضع اتفاق بين العلماء. 2- وأما الركن الثاني من أركان الصوم -وهو الإمساك عن سائر المفطرات- فدليله قوله تعالى في سورة البقرة: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل". فالإمساك بمقتضى هذه الآية يبدأ من وقت طلوع الفجر إلى دخول جزء يسير من الليل. فعلى المسلم أن يترقب طلوع الفجر، فإذا ما بقي على طلوعه نحو خمس دقائق ينبغي عليه أن يمسك عن المفطرات احتياطًا، فإذا ما غربت الشمس وشرع المؤذن في الآذان حلَّ له الفطر. وتعجيل الفطر أولى من تأخيره. |
|
سنن الصوم ومستحباته |
|
للصوم سنن ومستحبات وآداب ينبغي على الصائم مراعاتها، منها: 1- السحور: وهو مستحب باتفاق العلماء، ولا إثم على مَنْ تركه. روى البخاري ومسلم عن أنس (رضي الله عنه): أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "تسحروا فإن في السحور بركة". وعن المقدام بن معدي كرب عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "عليكم بهذا السحور، فإنه هو الغذاء المبارك" (رواه النسائي). ومعنى البركة: أنه يقوي الصائم على مواصلة الصوم إلى الليل، وينشطه ويمد الجسم بالطاقة الحرارية اللازمة لحيويته؛ وهو ما يجعل الصائم قادرًا على مزاولة أعماله بجد ونشاط دون أن يصاب بفتور أو خمول، فهو كوجبة الإفطار التي نبَّه الأطباء على ضرورة تناولها في أول النهار لتنشيط الجهاز الهضمي ومنع الإصابة بفقر الدم. ومن هنا استحب تأخيره إلى آخر الليل. ولقد كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يؤخرونه حتى لا يبقى على طلوع الفجر إلا وقت يسع قراءة نحو خمسين آية من القرآن. فعن زيد بن ثابت (رضي الله عنه) قال: "تسحرنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية" (رواه البخاري ومسلم). هذا.. ويتحقق السحور ولو بلقمة من طعام، أو كوب من لبن، أو جرعة ماء؛ لما رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه): أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". والصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة دعاء واستغفار. 2- تعجيل الفطر؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (رواه البخاري ومسلم). وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "قال الله (عز وجل): إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا" (رواه أحمد والترمذي). 3- الإفطار على التمر؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور" (رواه أبو داود والترمذي). وعن أنس (رضي الله عنه) قال: "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن، حسا حسوات من ماء" (رواه أبو داود والترمذي). ويستحب إذا أفطر المسلم على تمر أن يجعله وترًا؛ لأن الله وتر يحب الوتر. والحكمة في طلب الإفطار على التمر ونحوه أنه حلو، والحلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، فمن خواص التمر أنه إذا وصل المعدة وكانت خالية حصل به الغذاء، وإلا ساعد على هضم ما بها من بقايا الطعام. وأما الحكمة في الإفطار على الماء عند فقد التمر؛ فإن الماء يرطب الكبد الذي حصل له شيء من اليبس بسبب الصوم، وهو طهور ينفع المعدة أكثر من أي شيء آخر. وللأطباء في حكمة الإفطار على التمر والماء كلام طويل يراجع في كتب الطب. 4- ويستحب عند الشافعية والحنفية وكثير من الفقهاء تعجيل صلاة المغرب بعد الإفطار على التمر والماء وتقديمها على الطعام، إلا إذا حضر الطعام وكانت النفس شديدة التعلق به والاشتياق إليه، فحينئذ يكون تقديمه أولى؛ لكيلا يشغل الإنسان به عن صلاته فيفوته أهم ركن فيها وهو الخشوع وإحضار القلب مع الله (تبارك وتعالى). وهذا القول أولى من القول بتقديم الطعام على الصلاة مطلقًا إن حضر، جمعًا بين ما ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) من تعجيل الصلاة بعد تناوله التمر أو الماء، وبين ما رواه الشيخان عن أنس أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم" (أي طعامكم). 5- ويستحب الإقلال من الطعام في الإفطار والسحور؛ لقوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، ولقوله (صلى الله عليه وسلم): "ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (أخرجه الترمذي). ولأن الصائم إذا امتلأ بطنه بالطعام والماء أصابه الكسل والخمول فيعجز عن الحركة وينام عن الصلاة، أو يؤديها بتثاقل وخمول، وكذلك لو ملأ بطنه آخر الليل بالطعام والماء فإنه ينام عن صلاة الصبح، وهي أفضل الصلوات، فليحرص المؤمن على أن يكون نشطًا في أداء العبادات، لا سيما في هذا الشهر الكريم. 6- ويستحب الدعاء عند الإفطار والثناء على الله بما هو أهله؛ شكرًا لنعمة زوال المشقة عنه، والحصول على الثواب العظيم. روى ابن عمرو عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما تُرَد". وكان عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي" (أخرجه ابن ماجة بسند صحيح). وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا أفطر قال: "اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا؛ فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" (أخرجه الطبراني في الكبير). وقال ابن عمر: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أفطر قال: "ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر- إن شاء الله تعالى" (أخرجه أبو داود والحاكم). 7- ويُسَنُّ لمن أفطر عند غيره أن يدعو له بما في حديث مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال: أفطر الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند سعد بن معاذ فقال: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" (أخرجه ابن ماجة)؛ أي جعلكم الله أهلاً لذلك دائمًا.. فهو دعاء بالتوفيق حتى يفطر الصائمون عندهم، أو بشارة بما حصل لهم من الخير. 8- ويسن الإكثار من العبادة والصدقة والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين؛ لأن هذه الطاعة في شهر رمضان لها مزية عن غيرها في سائر الشهور؛ لذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يجتهد فيه بشتى أنواع الطاعات، لا سيما في العشر الأواخر منه. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود بالخير من الريح المرسلة" (أخرجه أحمد والبخاري ومسلم). وروى سلمان (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من فطَّر صائمًا على طعام وشراب من حلال صلَّت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلى عليه جبريل ليلة القدر" (أخرجه الطبراني في الكبير). 9- ويُسَنُّ للمسلم أن يواظب على صلاة التراويح لِمَا فيها من خير للمسلم في دينه ودنياه لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه". فالله سبحانه وتعالى شرع في رمضان في نهاره الصيام، وشرع على لسان رسوله في ليله القيام، وجعل هذا القيام سببًا للتطهر من الذنوب والخطايا.. ولكن القيام الذي تُغفر به الذنوب، وتُغسَل فيه الأدناس، هو الذي يؤديه المسلم كاملاً بشروطه وأركانه وآدابه وحدوده. 10- وينبغي على الصائم أن يكفَّ جوارحه عمَّا نهى الله عنه؛ فيغض بصره عن النظر إلى الغاديات والرائحات، ويكف لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة والسب، وما إلى ذلك، ويكف سمعه عن سماع ما يُلهي عن ذكر الله. وهذا إن كان محرمًا في سائر الأيام والليالي غير أنه في شهر رمضان أشد حرمة. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "مَنْ لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (أخرجه البخاري). والزور: هو كل قول أو فعل يخالف الشرع، فكل عمل يتنافى مع هذه العبادة الروحية ينقص من ثوابها، وربما يحبط أجره كله؛ فما شُرِعَ الصوم إلا لتهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، وتطهير القلوب، وتنقية الروح والجسد من طغيان المادة وشوائب الشهوات الحيوانية الجامحة. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، أي لعلكم تجعلون لأنفسكم وقاية من عذاب النار في الآخرة ومن كل ما يفسد الجسم والروح في الدنيا. فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد، أو جهل عليك، فقل: إني صائم، إني صائم" (رواه ابن خزيمة وابن حبان). |
|
ما يباح للصائم |
|
1- يُباح للصائم أن يدفع عن نفسه الحر أو العطش بصب الماء على رأسه أو بدنه كله، أو بالمضمضة والاستنشاق بلا مبالغة فيهما عند جمهور الفقهاء؛ لما رواه أحمد ومالك وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) حدثه فقال فيما قال: "ولقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصب على رأسه الماء وهو صائم، من العطش أو الحر". 2- ويباح له أن يصبح جُنبًا، ثم يغتسل ويصوم؛ فعن عائشة (رضي الله عنها): "أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يصبح جنبًا في رمضان من جماع غير احتلام ثم يصوم" (أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما). ومعنى قول عائشة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يطلع عليه الفجر وهو جنب؛ فيغتسل، ويصلي الصبح قبل طلوع الشمس؛ لأنه (صلى الله عليه وسلم) كان يظل جنبًا حتى تطلع الشمس. 3- ويباح له كل ما لا يمكن الاحتراز منه كبلع الريق، وغبار الطريق، وغربلة الدقيق، والنخامة إذا لم تخرج من فمه، وشم الروائح الطيبة، ونحو ذلك. 4– ويجوز للصائم السواك في جميع نهار رمضان، بشرط ألا يتخلل منه شيء يصل إلى الحلق؛ لعموم قوله (صلى الله عليه وسلم): "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (رواه البخاري وغيره). ويُكْرَه السواك عند الشافعية بعد الزوال، أي من وقت الظهر فصاعدًا، لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" (رواه البخاري وغيره). والقول الأول أصح، والحديث الذي استدل به الشافعية محمول على مدح الصائم والثناء عليه، لا على منعه من تنظيف فمه من الرائحة الكريهة. 5- ويباح للصائم القبلة ونحوها إذا كان ممن يتمكن من ضبط نفسه، فإن لم يكن ممن يتمكن من ضبط نفسه حُرِّمَ عليه أن يفعل كل ما من شأنه أن يحرك شهوته: كاللمس، والتذكر، وطول النظر. فعن أبي هريرة (رضي الله عنه): "أن رجلاً سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شاب" (أخرجه أبو داود والبيهقي بسند جيد). وعن عائشة (رضي الله عنها): "أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملكهم لإربه". (أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما). |










